فخر الدين الرازي

119

تفسير الرازي

بالعدل ) * فإن هذا يدل على أن المقصود حصول هذه الكتبة من أي شخص كان . أما قوله * ( بالعدل ) * ففيه وجوه الأول : أن يكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص منه ، ويكتبه بحيث يصلح أن يكون حجة له عند الحاجة إليه الثاني : إذا كان فقيهاً وجب أن يكتب بحيث لا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر ، بل لا بد وأن يكتبه بحيث يكون كل واحد من الخصمين آمنا من تمكن الآخر من إبطال حقه الثالث : قال بعض الفقهاء : العدل أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين أهل العلم ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله على مذهب بعض المجتهدين الرابع : أن يحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد بها ، وهذه الأمور التي ذكرناها لا يمكن رعايتها إلا إذا كان الكاتب فقيهاً عارفاً بمذاهب المجتهدين ، وأن يكون أديباً مميزاً بين الألفاظ المتشابهة ، ثم قال : * ( ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : ظاهر هذا الكلام نهى لكل من كان كاتباً عن الامتناع عن الكتبة ، وإيجاب الكتبة على كل من كان كاتباً ، وفيه وجوه الأول : أن هذا على سبيل الارشاد إلى الأولى لا على سبيل الإيجاب ، والمعنى أن الله تعالى لما علمه الكتبة ، وشرّفه بمعرفة الأحكام الشرعية ، فالأولى أن يكتب تحصيلاً لمهم أخيه المسلم شكراً لتلك النعمة ، وهو كقوله تعالى : * ( وأحسن كما أحسن الله إليك ) * ( القصص : 77 ) فإنه ينتفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها . والقول الثاني : وهو قول الشعبي : أنه فرض كفاية ، فإن لم يجد أحداً يكتب إلا ذلك الواحد وجب الكتبة عليه ، فإن وجد أقواماً كان الواجب على واحد منهم أن يكتب . والقول الثالث : أن هذا كان واجباً على الكاتب ، ثم نسخ بقوله تعالى : * ( ولا يضار كاتب ولا شهيد ) * . والقول الرابع : أن متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله ، يعني أن بتقدير أن يكتب فالواجب أن يكتب على ما علمه الله ، وأن لا يخل بشرط من الشرائط ، ولا يدرج فيه قيداً يخل بمقصود الإنسان ، وذلك لأنه لو كتبه من غير مراعاة هذه الشروط اختل مقصود الإنسان ، وضاع ماله ، فكأنه قيل له : إن كنت تكتب فاكتبه عن العدل ، واعتبار كل الشرائط التي اعتبرها الله تعالى . المسألة الثانية : قوله * ( كما علمه الله ) * فيه احتمالان الأول : أن يكون متعلقاً بما قبله ، ولا يأب كاتب عن الكتابة التي علمه الله إياها ، ولا ينبغي أن يكتب غير الكتابة التي علمه الله إياها ثم قال بعد ذلك : فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله إياها .